إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
310
الإعتصام
تداويني فقد والله برئت . فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبى موسى الأشعري رضي الله عنه أن لا يجالسه أحد من المسلمين فاشتد ذلك على الرجل فكتب أبو موسى إلى عمر أن قد حسنت سيئته فكتب إليه عمر أن يأذن للناس بمجالسته والشواهد في هذا المعنى كثيرة وهي تدل على أن الهين عند الناس من البدع شديد وليس بهين « وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم » وأما كلام العلماء فإنهم وإن أطلقوا الكراهية في الأمور المنهى عنها لا يعنون بها كراهية التنزيه فقط وإنما هذا اصطلاح للمتأخرين حين أرادوا أن يفرقوا بين القبلتين فيطلقون لفظ الكراهية على كراهية التنزيه فقط ويخصون كراهية التحريم بلفظ التحريم والمنع وأشباه ذلك وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحا أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام ويتحامون هذه العبارة خوفا مما في الآية من قوله « ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب » وحكى مالك عمن تقدمه هذا المعنى فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها أكره هذا ولا أحب هذا وهذا مكروه وما أشبه ذلك فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة فمن أين يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنزيه اللهم إلا أن يطلقوا لفظ الكراهية على ما يكون له أصل في الشرع ولكن يعارضه أمر آخر معتبر في الشرع فيكره لأجله لا لأنه بدعة مكروهة - على تفصيل يذكر في موضعه وأما ثالثا فإنا إذا تأملنا حقيقة البدعة - دقت أو جلت - وجدناها مخالفة للمكروه من المنهيات المخالفة التامة وبيان ذلك من أوجه أحدها أن مرتكب المكروه إنما قصده نيل غرضه وشهوته العاجلة متكلا على العفو اللازم فيه ورفع الحرج الثابت في الشريعة فهو إلى الطمع رحمة الله أقرب وأيضا فليس عقده الإيماني بمتزحزح لأنه يعتقد المكروه مكروها كما يعتقد الحرام حراما وإن ارتكبه فهو يخاف الله ويرجوه والخوف والرجاء شعبتان من شعب الإيمان فكذلك مرتكب المكروه يرى أن الترك أولى في حقه من الفعل وأن نفسه الأمارة